هل فكرت يومًا كيف يتم بناء الطرق التي نسير عليها والجسور والانفاق التي نستخدمها والمباني التي تضم المكاتب التي نعمل بها والسدود التي توفر لنا مياه الشرب؟

الأمر لا يلفه الغموض، ومعرفته ليست حكراً على أحد، إنها البنى التحتية، وتعتبر شيء أساسي في حياتنا

الهياكل الخرسانية

يمكن للهياكل الخرسانية أن تعاني من تدهور خطير في بنيتها

إذ أن التصدعات أصبحت شائعة جداً بسبب ظواهر كيميائية وفيزيائية مختلفة

ويمكن أن تمر بها هذه الهياكل الخرسانية في أثناء استخدامنا اليومي لها

ومن أسباب تشكل هذه التصدعات:

  • انكماش الخرسانة عندما تجف في درجات الحرارة المرتفعة.
  • بسبب دورات التجمد على مدار فصول السنة الأربعة.
  • الوزن الزائد عن طاقة تحمل هيكل الخرسانة.
  • القضبان الفولاذية المستخدمة في الخرسانة معرضة للتأكل مما يضعف هذه الهياكل وربما تنهار مع مرور الوقت.

قد تكون هذه التصدعات صغيرة فلا نعيرها اهتمام كبير، إلا أنها خطرة جداً، لأنها توفر مجرى سهل للسوائل والغازات

وكل المواد الضارة التي من الممكن أن تحتويها.

على سبيل المثال، يمكن للتصدعات المجهرية أن تسمح للماء والأكسجين بالتسلل مما قد يؤدي إلى تآكل الفولاذ، وهذا بدوره يؤدي إلى الفشل الهيكلي.

ولك أن تتخيل أن تصدعًا صغيراً جداً، ربما بمقياس شعرة واحدة، يمكن له أن يسمح بمرور كمية كافية من الماء لإضعاف أو تقليل متانة الخرسانة.

لذلك لا بد من القيام بأعمال الصيانة والإصلاح بشكل مستمر، وهذا الأمر ليس بالسهل

والسبب أن هذه الإصلاحات تتطلب جهد كبير وتكلفة ضخمة اعتماداً على حجم تلك الإصلاحات.

و نتيجة لهذه الأمور أجريت العديد من البحوث لمعرفة كيف يمكن لهذه التصدعات الضارة في الهياكل الخرسانية أن تشفي نفسها دون تدخل بشري!!

ومن ضمن هذه البحوث كان هناك البحث الذي استلهمت فكرته من القدرة المدهشة للجسم البشري على شفاء نفسه من الجروح و الكسور.

هل من الممكن أن نطبق هذه العملية على الهياكل الخرسانية؟

أتى الجواب من فريقين من جامعة بينغامتون وجامعة روتجرز الأمريكيتين عن طريق اكتشاف مرشح غير عادي

من الممكن أن يحقق الطموح الذي نتطلع إليه في مساعدة الخرسانة في عملية الاستشفاء الذاتي، وهو نوع من الفطريات يسمىTrichoderma reesei

في البداية قام الفريق بفحص عشرين نوعًا مختلفًا من الفطريات من أجل العثور على نوع بإمكانه تحمل الظروف القاسية في الخرسانة.

وكان ذلك عن طريق عزل البعض من جذور النباتات التي نمت في تربة فقيرة من المغذيات.

ومن ضمن ما وجدوه إنه كل ما ذاب هيدروكسيد الكالسيوم من الخرسانة في الماء؛ زاد الرقم الهيدروجيني لوسط نمو الفطريات من قيمة 6,5

وهو وسط قريب من التعادل على مقياس الرقم الهيدروجيني إلى 13,0 وهو وسط قلوي جدًا.

  ومن بين جميع الفطريات التي تم اختبارها، كان فقط من يمكنه النجاة والبقاء على قيد الحياة في هذه البيئة القاسية

فعلى الرغم من الزيادة الكبيرة في الأس الهيدروجيني، إلا أن الأبواغ التابعة لها انبثقت وتشكلت على شكل خيوط فطرية الشكل

ونمت بشكل جيد مع وجود الخرسانة أو بدون وجودها.

وقد اقترح الفريق تضمين أبواغ فطرية مع عناصر غذائية محددة أثناء عملية الخلط الأولية للخرسانة عند بناء هيكل خرساني جديد

فإذا حدث تصدع في الخرسانة ووجد الماء طريقه، ستنبت تلك الأبواغ الفطرية الخاملة.

عمل الأبواغ في تشققات الخرسانة

أثناء نمو هذه الأبواغ ستعمل كمحفز في الظروف الغنية بالكالسيوم للخرسانة لتعزيز ترسيب بلورات كربونات الكالسيوم

وسوف تتمكن هذه الرواسب المعدنية من ملئ تلك التصدعات.

وعندما يتم سد تلك التصدعات تمامًا ولا يتمكن المزيد من الماء من الدخول، ستعمل الفطريات على تشكيل أبواغ مرة أخرى

فإذا تشكلت التصدعات مرة ثانية وأصبحت الظروف البيئية مواتية، يمكن للأبواغ أن تنمو مرة أخرى وتعود خمولها وتكررعملية سد تلك التصدعات من جديد.

هل هذه الفطريات المستخدمة لعلاج الهياكل الخرسانية ضارة؟

بعد العديد من الفحوصات والأعمال المخبرية والبحوث التي لم تتوقف حول سلبيات وإيجابيات استخدام هذا المرشح T. reesei

تبين أن هذه المرشح صديق للبيئة وغير مسبب لأي أمراض، ولا يشكل أي خطر معروف على صحة الإنسان.

ومما يدعم هذه النتائج الإيجابيةلإستخدامها في الهياكل ، أن تلك الفطريات موجودة على نطاق واسع في التربة الاستوائية

وأنه لا توجد أي تقارير عن آثار ضارة على البيئة المحيطة حول هذه الفطريات وذلك يشمل النباتات والحيوانات المائية والبرية.

هنا، لا بد من معرفة أمر مهم جداً: إن هذه الفطريات لديها تاريخ طويل من الاستخدام الآمن في إنتاج إنزيمات الكربوهيدراز على نطاق صناعي

مثل السليولاز والذي يلعب دوراً مهمًا في عمليات التخمير في أثناء صناعة النبيذ لكن من المؤكد إنه إذا ما أردنا البدء في استخدام هذا المرشح الفطري

سيتطلب منا و من الباحثين إجراء تقييم شامل للتحقيق في أي آثار جانبية محتملة على الأمدين القريب والبعيد

وعلى البيئة وعلى صحة الإنسان قبل استخدامه كعامل استشفاء في البنية التحتية الخرسانية.

ولا بد أن نذكر أن الحياة داخل محيط خرساني ستكون بمثابة بيئة قاسية جداً للفطريات

متضمنًا قيم الأس الهيدروجيني العالية، أحجام المسام الصغيرة نسبيًا، نقص الرطوبة الشديد، درجات الحرارة المرتفعة في الصيف ودرجات الحرارة المنخفضة في الشتاء

توفر المغذيات التي تحتاج لها تلك الفطريات بشكل محدود والتعرض المحتمل للأشعة فوق البنفسجية من أشعة الشمس.

كل هذه العوامل تؤثر على الأنشطة الأيضية للفطريات وتجعلها عرضة للموت.

لا زلنا لا نفهم تمامًا هذه التقنية الصغيرة الواعدة في الإصلاح البيولوجي وأن بحثنا ما يزال في المراحل الأولية

ولا يزال هناك طريق طويل يتعين علينا قطعه لجعل عملية الاستشفاء الخرساني الذاتي عملية مفيدة وفعالة من جميع نواحيها بما في ذلك فعاليتها وتكلفتها.

لكن في النهاية نطاق التحديات في البنية التحتية والهياكل الخرسانية يجعلنا مطالبين باستكشاف الحلول المبتكرة مثل هذا الحل المفيد.

المصدر : انقر هنا

  • إعداد : المهندس عبد المطلب الحلبي
  • تدقيق : المهندسة أسماء حمود
  • تحرير : المهندسة يمنى يازجي
  • تصميم : المهندس بشار الحجي