تقويم الأسنان من التقنيات المستخدمة في إصلاح مشاكل جذرية لدى الإنسان منذ آلاف السنين. قد يبدو الأمر مبالغاً فيه عندما أقول آلاف السّنين إلا أنّه حقيقي

فقد عُثر على مومياءات في مدينة صيدا تعود للقرن الخامس قبل الميلاد تضع تقويم أسنان مُصنّع حسب معطيات العصر آنذاك.

ممّا يوضّح أنّ العلاقة بين الطّبّ و الهندسة علاقة أزليّة لتحسين جودة حياة الإنسان.

على أيّة حال، لا بدَّ لك كمهندس جرّبت تطبيق هذه التقنية أو صادفتها من التّفكير حسب اختصاصك عندما ترى أثر التّقويم في تحريك أسنانك:

إلى أي مدى يرتبط هذا المجال الذي يقوم على “تحريك” الاسنان بالميكانيك؟ّ!

لنجيبَ معكم عن هذا السؤال استوقفنا اختصاصي تقويم الأسنان والفكين الدكتورعمرو الزيتاوي في لقاء حصري لمشروع أنا مهندس:

دكتور، بدايةً إلى أي مدى يرتبط طبّ الأسنان و التّقويم بعلم الميكانيك؟

بشكل عام، الرّابطة بين جسم الإنسان مع علم الميكانيك كبيرة لدرجة أنّها لا تتوقّف عند التّقويم أو طبّ الأسنان

فهناك العديد من الظواهر الميكانيكية فيه ابتداءً من حركة العضلات والعظام و انتهاءً بالتّقويم، وهو ما يُعرف بالميكانيك الحيوي، وتقويم الأسنان وحركة الفكّين قائمة تماماً على هذا العلم.

دكتور، أثناء وضع خطّة علاجيّة لأحد مرضاك، ما هي المبادئ الميكانيكيّة التي تستندون عليها؟

بما أن تقويم الأسنان يعني بشكل أو بآخر تحريك الأسنان، فمبادئ علم الحركة والميكانيك تشكل الأساس الذي يستند عليه طبيب التقويم في تخطيطه لآلية حركة الفكين والأسنان الواجب اتباعها لعلاج الخلل الذي يعاني منه مريض ما.

لتقريب الفكرة سنتطرق إلى مبدئين ميكانيكيين أساسيين:

أحد هذين المبدئين هو مبدأ مراكز المقاومة، ونقصد هنا مراكز مقاومة السن أو الأسنان أو عظم الفك المطلوب تحريكه.

كيف يتمّ الاستفادة من تحديد مراكز المقاومة في التّقويم؟

من خلال تحديد الوضع النّسبي بين القوّة المؤثّرة على السّن و مركز مقاومته.

فلو جعلت منحى القوّة يمر في مركز المقاومة سأسبب حركة جسميّة صرفة للسّن (حركة انسحابيّة)

أمّا لو كان منحى القوّة يمر فوق المركز أو تحته فإن الحركة النّاتجة سيرافقها إمالة للسن.

يعني ذلك أمه سيتولّد لدينا عزم دوران؟

بالضّبط، تتعلّق قيمة هذا العزم الدّوراني بالمسافة بين مركز المقاومة ونقطة تطبيق القوة.

ينتج عن هذا العزم دوران السن حول مركز دوران معين، وهذا الدوران يتظاهر ضمن الفم بميلان السن.

دكتور وأين يقع مركز المقاومة و كيف تحدّدونه؟

على سبيل المثال يقع مركز مقاومة الاسنان ذات الجذر الواحد في الثّلث العنقي للسّن وذلك إذا كان السن محاط بلثة سليمة

وهنا ينبغي أن يكون طبيب التّقويم على دراية تامّة بموقع مركز المقاومة حسب حالة السّن أو مجموعة الأسنان الواجب تحريكها بحيث يُطبّق القوّة بالموقع الصّحيح.

دكتور كيف تتحكّم في هذه القوّة المطبّقة على السّن؟ من خلال ربط هذه القطع المعدنيّة الصغيرة المثبّتة على الأسنان بالأسلاك؟

بدايةً، هذه القطع تدعى الحاصرات، والقوّة نشكّلها من خلال الأسلاك التي تملك ذاكرة شكليّة تسعى للعودة إلى شكلها الطّبيعي بعد تثبيتها بالحاصرة مسبّبةً قوّة تسهم في تحريك السّن.

هذا أحد عوامل نشوء القوّة، هناك أيضاً النّوابض التي أستخدمها على الأسلاك بين الأسنان و التي تسبب حركة مدروسة نسبة لطول النّابض و ثابت مرونته.

لديّ أيضا المطّاط السلسلي الذي استخدمه بحيث أربط سنّين متجاورين معاً أو أكثر بهدف إغلاق المسافة المتواجدة بينهما ..

جميعها وغيرها تعتبر مسبّبات لنشوء قوّة، ونحن نقوم بتكييف هذه القوّة بحيث تسبّب الحركة المرغوبة للسن.

دكتور لنفرض أن لديّ سنّاً أرغب في تحريكه للأمام وقمتَ بربطه بطريقةٍ ما مع سن مجاور له، ألا يمكن أن يسبّب ربط سنّين متجاورين مع بعضهما بحركة غير مرغوبة للآخر عندما يقتربان من بعضهما بالرّبط ؟؟

طبعاً وهذا يحصل حقيقةً، ومن هنا وُجِدَ المبدأ الميكانيكي الثّاني الذي سنذكره هنا، ألا وهو مبدأ رد الفعل أو مبدأ الدّعم

و أقصد هنا الدّعم التقويمي بحيث أتجنّب ردود الأفعال غير المرغوبة الناتجة عن تطبيق القوة التقويمية.

كما تعلمين، فإنّ قانون نيوتن الثّالث الشّهير ينصّ على : لكلّ فعل ردّ فعل يساويه بالقوّة ويعاكسه بالاتّجاه.

نحن نحسب بدقّة ردّ الفعل الذي ستتسبّب به القوّة التي أثرتُ بها على كلّ سن، وأحاول جاهداً أن ألغي التّأثير الضّار لذلك.

ما هي الآليّات المستخدمة لتلغي ردّ فعل غير مرغوب؟

هناك الكثير،إذا كنت أود تحريك سن ما للخلف، فبدلاً من أطبق سلسلة مطاطية بين هذا السن والسن الذي خلفه (الأمر الذي سينتج عنه حركة السن الخلفي للأمام)

قد أقوم بربط السن الخلفي نفسه مع جميع الأسنان المتوضعة خلفه ككتلة واحدة، وبالتالي سيتحرك السن الأمامي باتجاه الخلف

لكن رد فعل هذه القوة سيتشتت على مجموعة الأسنان الخلفية ولن يكون كافيا لتحريك هذه المجموعة إلى الأمام.

أستطيع أيضا تركيب زُريعات تقويميّة ، هي عبارة عن براغي تثبّت بالعظم.

هذه البراغي تكون ثابتة تماما ضمن العظم، بحيث لو طبقنا السلسلة المطاطية في المثال السابق بين السن الذي أو تحريكه والزريعة التقويمية، فستقاوم الزريعة كل رد الفعل الناتج عن القوة.

أيضاّ نستطيع اللجوء للأجهزة خارج الفمويّة. مثلاّ ، حزام الرّأس الذي يستند على الرّأس بكامله وبالتّالي فإن ردّ الفعل يتفرّغ بالرأس كلّه.

دكتور، كيف تخلق في عظم الفك مساحة أمام السّن بحيث يتحرّك نحو الامام؟ هل يتكسّر العظم ؟ أم ماذا يحصل تحديداً؟

حركة الأسنان ضمن العظم من المواضيع الشّيقة جدّاً، والحقيقة أن الآلية التي تسمح بهذه الحركة هي آلية فيزيولوجيّة

فعند حركة السّن نحو الأمام تعمل خلايا خاصّة تُدعى كاسرات العظم على امتصاص العظم أمام السّن متيحةً له الحركة نحو الأمام

بالمقابل في المكان الذي يتركه السّن، تنشط خلايا أخرى تدعى بانيات العظم ، تقوم بتشكيل المادّة العظمية في المنطقة المطلوبة

طبعاً ضمن حدود معيّنة بحيث تؤدّي الخلايا السّابقة عملها بشكل صحيح، أي أنّنا كأخصائيّي تقويم لا نقوم بفسح مجال مسبقاً للسن المراد تحريكه.

إذا فهناك معايير لاختيار شدّة القوّة المطبّقة، منها ضمان حركة السّن ضمن العظم بشكل فيزيولوجي سليم؟

طبعاً، مثل العمر ووضع السّن وعدد الأسنان الذي أريد تحريكها .. هناك معايير كثيرة جدّاً وهنا يأتي دور خبرة الطبيب المعالج لتحديد القوّة المناسبة.

لنفرض مثلاً أن أحدهم لديه إشكال في نسبة الكلس هل يؤثّر ذلك في اختيارك للقوّة المطبّقة بحيث لا يتأذى السّن؟

=طبعاً سيؤثّر ذلك في تحديدي لشدة القوة ومحورها، فالمرضى ذوي مستويات الكالسيوم المنخفضة في العظم تحتاج لقوى أقل من المتوسط لكي تتحرك.

وعموماً في كل الحالات يجب أن تكون القوة المطبقة ضمن حدود معينة، فإذا كانت خفيفة جداً فلن تكون قادرة على تحريك السن

أما إذا كانت شديدة فقد يتوقف العظم المحيط عن الاستجابة لهذه القوى ويمتنع السن عن التحرك، أما إذا كانت شديدة جدا فقد يبدأ جذر السن نفسه  بالامتصاص

وهي حالة تسبب خطراً على سلامة السن وديمومته.

دكتور لاحظت أن لديك مجموعة مختلفة من الأسلاك التقويمية، ماهي العلاقة الميكانيكيّة بين اختلاف هذه الأسلاك وآلية عملها؟

تختلف الأسلاك بشكل أساسي في المادة المصنوعة منها وفي قطرها.

هناك على سبيل المثال أسلاك من مادة النيكل تيتانيوم وهي مادة مرنة جداً، وهناك أسلاك من مادة الستانلس ستيل وهي أسلاك أكثر قساوة وأقل مرونة.

الأسلاك المرنة وذات القطر الصغير ينتج عنها قوى ذات شدة منخفضة ومدى عمل كبير (أي أنها قادرة على تحمل تشوه كبير دون حدوث تشوه دائم في شكلها، وبالتالي هي قادرة على تطبيق قوى ذات استمرارية أكبر)

أما الأسلاك القاسية وذات القياس الكبير فهي تطبق قوى أكبر لكنها سريعة التخامد.

يتم اختيار الأسلاك المطلوبة لكل حركة سنية بعناية للحصول على القوى الأنسب للحالة.

دكتور هل لتنوّع شكل الحاصرات دوراً في العمل؟

=بالطّبع، فمع تطوّر العلم و التّقنيّات تم تطوير الحاصرات بشكلها المعروف الآن بحيث تعبّر عن معلومات معيّنة من خلال شكلها

فدرجة ميلان شقّ الحاصرة و شكلها التّصميمي يحافظ على الدّرجة المطلوبة من الميلان و البروز للسّن.

أي أنّ بعض الأسنان مائلة بطبيعة حالها ؟

نعم،على سبيل المثال الثّنيّة الأماميّة العلويّة ينبغي أن يكون لها ميلان معيّن نحو الدّاخل و بروز بسيط للأمام بحيث تؤدّي دورها الطّبيعي و يكون شكلها مقبول أيضاً.

ما هي المعلومات المحفوظة ضمن الحاصرة ؟

درجة بروز السن باتجاه الشفاه والخدود، ودرجة ميلان السن باتجاه الأنسي (أي باتجاه السن المتوضع أمامه)، ودرجة ميلان السن باتجاه الشفاه والخدود أو اللسان.

والشقّ الذي يمر خلاله السّلك مائل بحيث يضمن الميلان الذي أرغب فيه للسّن؟

تماماً، تحديداً مع الأسلاك المضلّعة التي أستخدمها في المراحل الأخيرة من التّقويم الثّابت.

هذه الأسلاك تساعد الحاصرة في التّعبير عن معلوماتها.

وبالنّسبة لتحريك الفكّين، هل لك أن تذكر لنا باختصار كيفية تطبيق مبادئ الميكانيك الحيوي عند تحريك عظام كاملة وليس مجرد أسنان؟!

علم الحركة واحد ومبادئ الميكانيك والميكانيك الحيوي واحدة.

فلا زلنا عند رغبتنا بتقديم عظم الفك العلوي مثلا نحتاج إلى تقدير شدة القوة اللازمة لفصل عظام الفك العلوي عن مجاوراتها وتحريكها إلى الامام

(وهي بالتأكيد أكبرمن القوى اللازمة لتحريك سن وحيد أو مجموعة اسنان ضمن الفم)

. وبالتأكيد يجب أن أسيطر بشكل محكم على رد فعل هذه القوى بحيث أمنع حدوث تأثيرات جانبية غير مرغوب فيها

(لذلك في هذه الحالة يفيدني اللجوء إلى الدعم خارج الفموي الذي يوجه قوى رد الفعل باتجاه عظام أخرى كعظم الجبهة وعظم الفك السفلي)

أيضا يجب أن أضع في اعتباري محور القوة المطبقة وعلاقته مع مركز مقاومة عظم الفك العلوي بهدف الحصول على الحركة المطلوبة

(هل هي حركة جسمية صرفة نحو الامام أم أرغب بإمالة عظم الفك قليلا نحو الأعلى أو الأسفل؟).

وغيرها الكثير من الأمثلة ..

دكتور كل الشّكر لكَ على وقتك و جهدك معنا.

على الرُّحب، و شكراً لكم أيضاً.

  • اللقاء من إعداد : المهندسة رهف ندّاف
  • الضّيف : أخصّائيّ التّقويم الدكتورعمرو زيتاوي
  • تحرير : المهندس بشار الحجي

اللقاء خاص بمشروع أنا مهندس، يسمح بنقله ونشره ونسخه على أن لا يتم تعديل فيه أي مادة أو جملة مع ذكر المصدر.